مجلة عالم كامل: ثقافة وفكر وإبداع في الوطن العربي
ملتقى الأمل والعمل بالأسكندرية
: الإسكندرية تحتفل بعيدها القومي من خلال ملتقى توظيف تاريخي للتعليم الفني
بقلم الكاتبة الصحفية: سماح حمادي
يُعدّ من دواعي الفخر والاعتزاز أن نبدأ حديثنا بتحية إجلال وتقدير عميق لربان سفينة الإسكندرية وقائد مسيرتها التنموية؛ السيد المحافظ، الذي يكرم كل جهد وطني برعايته الكريمة، ويولي أبناءه الشباب اهتماماً ودعماً مستمراً، ليظل ثغر الإسكندرية الباسم نابضاً بالحياة والأمل والتطوير المستمر، تزامناً مع احتفالات المحافظة بعيدها القومي المجيد.
تشرفت بحضور هذا الحدث الاستثنائي والمشهد الوطني المهيب؛ حيث تنبض الإسكندرية بالحياة والعمل، لترسم لوحة مشرقة من الأمل والتمكين لشبابها الواعد، بفضل الرعاية الكريمة والداعمة من السيد المحافظ ومديرية التربية والتعليم.
وبإشراف واعٍ وجهود حثيثة من وحدة تيسير الانتقال لسوق العمل بالإسكندرية، شهدنا اليوم احتفالاً حقيقياً بالتشغيل والتوظيف، يعكس رؤية الدولة الحقيقية في الاستثمار بقدرات الشباب وربط التعليم الفني باحتياجات سوق العمل الفعلية.
أرقام وإنجازات تتحدث عن نفسها:
حضور جماهيري غير مسبوق: امتلأت القاعات بـ ٥١٢٢ خريجاً وخريجة من أبنائنا وبناتنا، الذين توافدوا بحماس وعزيمة لبناء مستقبلهم الواعد.
مشاركة مؤسسية واسعة: توحدت الجهود بحضور ٨٤ شركة كبرى تمثل مختلف المجالات والتخصصات، مقدمة مئات الفرص المثمرة للشباب الطموح.
قيادات ملهمة وقامات كرّست جهودها لخدمة الشباب:
لقد كان للجهود المتميزة والتفاني اللامحدود لكل من قاد هذا العمل أثر بالغ في تحقيق هذا النجاح التاريخي، وتتجلى روعة الإنجاز في أصحاب البصمات المضيئة:
المهندس سامي عز الدين: نتقدم له بخالص الشكر والتقدير على دوره البارز وإسهاماته القيمة في دعم هذا الصرح وإنجاح فعالياته.
الأستاذة هيام حسيني (مديرة الوحدة الفرعية لتيسير الانتقال لسوق العمل بالتعليم الفني): رمز للإخلاص والريادة، قائدة استثنائية سخرت كل طاقاتها بحكمة واقتدار لفتح آفاق المستقبل أمام الخريجين، وجعلت من الوحدة منارة حقيقية للتمكين والعمل.
الأستاذ أشرف أبو الفتوح (مسؤول التوظيف بالتعليم الفني): الجندي المجهول واليد اليمنى التي ضربت أروع الأمثلة في التفاني والعمل الجاد، ولم يتوانَ لحظة عن تذليل العقبات بحماس لا مثيل له لضمان تمكين كل شاب وفتاة من إيجاد فرصتهم المنشودة.
ما شهدناه اليوم برعاية السيد المحافظ وقيادات التعليم الفني العظام ليس مجرد ملتقى توظيف تقليدي، بل هو ملحمة حب وعمل لثغر الإسكندرية، تأكيداً على أن شبابنا هم عماد المستقبل وصناع النهضة. مليون تهنئة لكل خريج خطى خطوة جادة نحو مستقبله بفضل هذه الجهود الجبارة، وتحيات إجلال لكل يد بانية وصانع أمل في هذا الصرح العظيم.
مؤتمر "طموح لا ينتهي 4": إعادة صياغة الوعي المصري تحت شعار "شمس التقدم"
بقلم: سماح حمادي
من داخل أروقة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث تتنفس الجدران فكراً، تشرفتُ اليوم بحضور فعاليات مؤتمر "طموح لا ينتهي 4" تحت شعار "شمس التقدم". لم يكن هذا اللقاء مجرد مؤتمر عابر، بل كان تظاهرة فكرية أعادت تعريف الطموح كفعلٍ إيجابي يمارسه المجتمع على أرض الواقع، لا كمجرد شعارات تذروها الرياح.
سيمفونية العقول المبدعة
ما لفت أنظار الجميع، هو هذا التناغم الفريد بين قاماتٍ وطنية نذرت نفسها لخدمة الإنسان وبناء العقول:
د. إيمان طلعت: رئيس مجلس إدارة أكاديمية "لافوا" ومؤسسة سالم طلعت، تلك العقلية الإدارية التي تضع التنمية المجتمعية في مقدمة أولوياتها، برؤية مستنيرة تتجاوز حدود التقليد.
د. رشا الشاذلي: الحاصلة على دكتوراه في الصحة النفسية ومدربة دولية، والتي أضفت بوجودها عمقاً أكاديمياً إنسانياً على محاور المؤتمر.
د. أماني نور: استشارية الصحة النفسية والإرشاد الأسري، التي بكلماتها تداوي جراح العلاقات وتضع بصمة الحكمة في كل حوار.
د. أيمن حسونة: خبير التعليم والجودة، صاحب الرؤية الثاقبة والمسيرة المشرفة، الذي يقف دائماً كمنارة للعلم والمعرفة؛ فبخبرته الممتدة وعطائه المستمر، يظل نموذجاً يُحتذى به في التميز الأكاديمي والتدريب المهني، مؤكداً بلمساته أن الجودة هي الطريق الحتمي للارتقاء بأمتنا.
المستشار كمال خليفة: المدير التنفيذي لمركز كميت للتحكيم، الذي أضفى بوقاره وحكمته طابعاً مؤسسياً رفيعاً.
المهندس نادر حسن: رجل الإنسانية والخير، الذي يثبت دوماً أن النجاح في عالم الأعمال لا يكتمل إلا بالعطاء الإنساني.
د. أحمد رشاد: الباحث والقامة الأكاديمية المرموقة، الذي أثرى المؤتمر بكلماته الرصينة وتحليلاته العميقة، مؤكداً بحضوره الواعي أن العلم يظل البوصلة الحقيقية لكل من ينشد التغيير والإصلاح.
قضايا تمس نبض الشارع
لقد تجاوز المؤتمر القوالب الجامدة؛ فتناول "فن إدارة الغضب"، و"أسرار النجاح في عالم البيزنس"، وصولاً إلى "كيف يصنع الحرمان العاطفي علاقات مدمرة". هي قضايا تلمس عصب حياتنا، وتقدم حلولاً عملية لا نظرية.
عرسٌ للتكريم.. ومسك الختام مع ملائكة الرحمة
اللحظة الأكثر تأثيراً كانت الاحتفاء بكوكبة من النماذج المضيئة؛ أمهات مثاليات كنّ رمزاً للصبر، وطلاب مبدعون يمثلون شعلة الغد. وتوج المؤتمر فعالياته بمسك الختام، حيث تم تكريم طلاب كلية التمريض في حفل تخرجهم المبهج؛ هؤلاء الشباب الذين يمثلون "ملائكة الرحمة" في ميدان العمل الإنساني. إن تكريمهم وسط هذه النخبة من القامات هو تقديرٌ لرسالتهم السامية، ورسالة حب وعرفان لجيلٍ يحمل على عاتقه أمانة التخفيف من آلام البشر.
ختاماً، "طموح لا ينتهي" ليس اسماً لمؤتمر، بل هو إعلان صريح بأننا أمة ترفض التوقف، ترفض الخضوع، وتؤمن بأن الفكر هو السلاح الأول للعبور نحو المستقبل
بقلم رئيس التحرير
في 15 أبريل 2020، انطلقت رحلتي مع فريق دعم آمن بالفكرة، ومع مرور ست سنوات، حققت مجلة عالم كامل نيوز نجاحاً باهراً. نتقدم بخالص الشكر لقرائنا الأعزاء الذين كانوا شركاء في هذا الإنجاز، وللزملاء والزميلات من المحررين والصحفيين الذين أضفوا على صفحاتنا إبداعهم وكتاباتهم المتميزة. كما نرحب بكل من يرغب في الانضمام إلينا والمساهمة بالكتابة من السادة القراء في مجلة عالم كامل، صحافة المواطن.
نادى الصيد المصرى بالإسكندرية يحتفل بذكرى انتصارات العاشر من رمضان الوطنية
كتب: كامل أبو الفتوح
في سهرة رمضانية مميزة، احتفالأ بتكريم أبطال فوق العادة، أبطال عمليات إيلات: اللواء قبطان عمر عز الدين واللواء قبطان نبيل عبد الوهاب. وكان الاستقبال أجمل ما يكون من مجلس إدارة النادي، وعلى رأسهم المهندس محمد السيد عبد السلام عشرة، د. أحمد رأفت أبو طبيخ نائب الرئيس، والدكتور أحمد عثمان المدير التنفيذي، والأستاذة منى رشاد، والأستاذ محمد قاسم، والأستاذ محمد المغربي أعضاء مجلس الإدارة، والأستاذة ناهد الجوهرى.
شرح مفصل لعمليات إيلات
قدم أبطال عمليات إيلات شرحًا مفصلًا عن العمليات البحرية النوعية التي نفذوها، مثل تدمير الرصيف الحربي في ميناء إيلات، وتدمير السفن الإسرائيلية بات شيفع وبات يم. كما تحدثوا عن إغراق المدمرة إيلات، التي شكلت نقطة تحول تاريخية في الصراع العربي الإسرائيلي، وأثرت بشكل كبير على مسار الأحداث العسكرية والسياسية في المنطقة.
فعاليات الحفل الفنية والثقافية
تخلل الحفل مجموعة من الأغاني الوطنية الرائعة التي أداها المطرب المتميز حمدي سراج والمطرب الجميل شريف إبراهيم، بالإضافة إلى الأشعار الوطنية التي ألقاها الشاعر كامل أبو الفتوح، مما أضفى على الأمسية جوًا من الفخر والاعتزاز بالوطن وبأبطال العمليات.
تكريم إعلامي مميز
كما شاركت الإعلامية مروة عاطف بإلقاء قصيدة شعرية تكريمًا لأبطال إيلات، فيما قامت الإعلامية صافي سالم بالتغطية الإعلامية للحفل عبر قناة tnc نيوز، مما ساهم في توثيق هذه اللحظات الوطنية المهمة ونشرها على نطاق أوسع.
هزةٌ أرضية...-----------
بقلم د.سمر حمدان
حين تنهارُ جدرانُ الزيفِ لتستيقظَ الروح...
في اللحظة التي ترتجُّ فيها الأرضُ تحت الأقدام، يسقطُ كلُّ شيء؛ تسقطُ العناوينُ العريضة، وتتهاوى المناصبُ خلف غبارِ الركام، وتتساوى القصورُ المشيدة بالبيوت الطينية. لكنّ الهزة التي أعنيها ليست تلك التي تسجلها مقاييس "ريختر"، بل هي تلك "الزلزلة الوجودية" التي تصيبُ الإنسان حين يدركُ فجأةً هشاشةَ كل ما اعتبره "ثوابت". هي تلك اللحظة التي يكتشف فيها أن "الأرض" التي يبني عليها أحلامه وكبرياءه، ليست سوى قشرةٍ رقيقة تطفو فوق بحرٍ من الغيب.
نحن نعيشُ معظم أعمارنا في حالة من "الاستقرار الزائف". نبني جدرانَ الأنا، ونُحكمُ إغلاق أبوابنا على أوهامِ الخلود، ونظن أننا أسيادُ المصير. ثم تأتي "الهزة"؛ قد تكون فقدانَ عزيز، أو انكسارَ حلم، أو حتى لحظة صدقٍ جارحة مع المرآة في جوف الليل. في تلك الثواني القليلة، ينهارُ "ديكور" الحياة الذي تعبنا في ترتيبه، ونقفُ عراةً أمام حقيقتنا. هنا، وفي قلب الارتجاف، تبدأ الصرخة الحقيقية؛ ليس خوفاً من الموت، بل رعباً من اكتشاف أننا عشنا طويلاً فوق أرضٍ لم نمتلكها يوماً.
إن قيمة "الهزة الأرضية" في حياة المرء تكمن في قدرتها على "الفلترة". هي التي تعيد فرز الأشياء من حولنا؛ فما كان يبدو عظيماً يتقزم، وما كان هامشياً يصبح هو النجاة. حين تضطرب الأرض، لا نبحث عن "رصيد البنك" ولا عن "عدد المتابعين"، بل نبحث عن "يدٍ" تمسك بنا، عن "وجهٍ" نحبه، عن "دعاءٍ" يحمينا. الهزة تعيدنا إلى حجمنا الطبيعي ككائناتٍ من طين، لكنها في الوقت ذاته تمنحنا فرصةً لنكتشف أن في داخلنا "روحاً" لا تنكسر بسقوط الجدران، وأن جوهرنا لا يتأثر بميلان المحاور.
لماذا نخشى الاهتزاز؟ لأننا أدمنّا الركود تحت مسمى "الأمان". لكنّ الأمان الحقيقي لا يوجد في الأرض الجامدة، بل في القدرة على التوازن وسط العواصف. رمضان، في أعمق معانيه، هو "هزةٌ أرضية" اختيارية؛ هو زلزالٌ نحدثه نحن في روتيننا، في شهواتنا، وفي كبريائنا، لنختبر ما الذي سيبقى صامداً فينا حين ينقطع عنا مدد المادة. الصيام هو تمرينٌ على "الخفة"؛ أن تكون خفيفاً بحيث لا تسقط بك الأرض، وقوياً بحيث لا تبتلعك الشقوق.
إن البيوت التي لا تهتز، لا تُختبر متانتها. وكذلك الأنفس؛ النفس التي لا تمر بزلزالٍ يعيد ترتيب أولوياتها، تظل نفساً كسلانة، تراكم الغبار فوق يقينها. الهزة هي "صدمة إنعاش" للقلب المتوقف في زحام العادة. هي التي تجعلنا ننظر إلى السماء ليس استجداءً للمعجزة، بل إدراكاً بأن العلوَّ هو الملاذ الوحيد حين تضيقُ بنا الجهات الأربع.
فيا أيها الواقفُ فوق أرضٍ يظنها ثابتة، لا تخشَ الهزة إذا أتت، بل اخشَ "السكون" الذي يسبق العاصفة. الهزة هي التي تخرج "الكنوز" المدفونة في أعماقك، وهي التي تنظف أزقة روحك من الركام المتراكم. فبعد كل زلزال، هناك دائماً "إعادة إعمار"؛ فرصةٌ لنبني أنفسنا من جديد، لكن هذه المرة، بأساساتٍ من نور، وجدرانٍ لا تخافُ السقوط، لأنها مسنودةٌ إلى من بيده ملكوتُ الأرض والسماء.
خليك ايجابي محتوى جديد تقدمه رانيا صالح
خليك ايجابي محتوى جديد تقدمه الأستاذة رانيا صالح على صفحات مجلة عالم كامل الالكترونيه
د. سمرحمدان
في ممرات العمر المزدحمة، حيث يركض الجميع خلف غدٍ لا يجيء، يطلُّ هلال رمضان هذا العام ليس كضيفٍ معتاد نؤجل معه إصلاح ذواتنا إلى العام المقبل، بل كعلامة استفهامٍ كبرى ومعلقة في سقف الوجود، ماذا لو كانت هذه هي الثلاثون يوماً الأخيرة التي ستطأ فيها قدماك هذه الأرض؟ ماذا لو كان هذا الأذان هو آخر نداءٍ ستسمعه وأنت بكامل حضورك، وهذه السجدة هي الوداع الأخير لترابٍ طالما أثقلته بخطاياك وأحلامك المؤجلة؟ إن مواجهة فكرة الفناء ليست دعوة للتشاؤم، بل هي الصدمة الوحيدة القادرة على غسل زيف التراخي، وهي المرآة الجارحة التي تضعك وجهاً لوجه أمام حقيقتك التي تهرب منها بالانشغال المفرط والوعود الكاذبة بالتغيير.
حين يقترب الرحيل، تتبدل الألوان وتتساقط الأقنعة التي استهلكت منا سنوات لترميمها، تلك الخصومات التي كنت تظنها كرامة، تبدو الآن ثقباً أسود يبتلع روحك بلا معنى، وذاك الكبرياء الذي منعك من الاعتذار أو من قول "أحبك" لمن يستحق، يتحول إلى حجرٍ ثقيل يجثم على صدرك في لحظة الوداع، في منظور الفناء، لا تعود لأرقام البنوك قيمة، ولا لعدد المتابعين صدى، بل يصبح "الأثر" هو العملة الوحيدة المعترف بها، يصبح السؤال الذي يمزق السكون، هل تركت خلفك يداً تمسح دمعة، أم قلباً كسرته ومضيت؟ هل كنت في حياة الآخرين نسيماً عابراً يرمم انكساراتهم، أم كنت عاصفةً لا تخلف وراءها سوى الحطام؟
هذا الرمضان، إذا ما نُظر إليه من زاوية النهاية، يصبح "الفرصة الذهبية" لتصفية الحسابات الإنسانية قبل الروحية، إن العبادة التي لا تترجم إلى رحمة في التعامل، هي عبادة منقوصة لم تفهم فلسفة الوجود، إننا نبحث عن "ليلة القدر" في السماء، وهي ربما مختبئة في كلمة طيبة لجبر خاطر منكسر، أو في حضنٍ دافئ لأبٍ أهملناه في زحام الحياة، أو في مسامحةٍ عميقة لعدوٍ أرهقنا بالتفكير فيه، إن الفناء يهمس في أذنك كل ليلة، "لا تترك شيئاً لغدٍ قد لا تشرق شمسه"، فاجعل من كل لقمة إفطار لقاءً أخيراً بصدقٍ جارح، ومن كل دعاءٍ مناجاةً غريقة تبحث عن شاطئ النجاة قبل أن يسدل الستار.
ما أصعب أن يرحل المرء وهو يحمل في حقيبته "اعتذارات لم تُقال" و"كلمات حب لم تجرؤ على الخروج"! هذا الشهر هو مساحتك الأخيرة لترتيب تلك الحقيبة، لتخفف من أحمال الحقد والندم، ولتضع مكانها بذوراً من النور، انظر في وجوه من حولك اليوم، انظر إليهم بعينِ من لن يراهم ثانية؛ ستجد أن العيوب التي كانت تزعجك تلاشت، وأن التفاصيل الصغيرة التي كنت تتجاهلها أصبحت هي كل ما يربطك بالحياة، إن إدراك الفناء هو الذي يمنح الصيام معناه الحقيقي، فهو ليس حرمانًا من طعام، بل هو تحريرٌ للروح من عبودية الأشياء، وتدريبٌ قسري على الرحيل الخفيف، حيث لا يبقى معك سوى نقاء قلبك وصدق أثرك.
إن الوجع الذي يسكن هذه الفكرة هو ذاته الذي يحيي الضمير الميت، فبدلاً من الغرق في طقوس الاستهلاك والمباهاة، تدفعك فكرة "الرمضان الأخير" إلى الاعتكاف في محراب الصدق، تطلب منك أن تتوقف عن كذبك على نفسك، وأن تعترف بهشاشتك، وأن تمسح عن روحك غبار السنين بالدموع الحقيقية لا بالكلمات المرتبة، هي دعوة لتكون إنساناً بملء إنسانيتك، لتسامح لا لأن الآخر يستحق، بل لأن روحك لا تملك رفاهية البقاء مكبلة بالأحقاد وهي على مشارف السفر الطويل، اجعل من هذا الشهر معراجك الخاص، واخرج منه بقلبٍ لا يحمل غلاً لأحد، وبنفسٍ مطمئنة لأنها قالت كل ما يجب أن يُقال، وفعلت كل ما يرضي الله قبل أن يغلق الباب.

